محمد جمال الدين القاسمي

82

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كعدمه . ولأنه رتب الحكم على الوصف المناسب له . فعلم أن توكله هو سبب كونه حسيبا له ، ولأنه ذكر ذلك في سياق الترغيب في التوكل ، كما رغب في التقوى . فلو لم يحصل للمتوكل من الكفاية ما لا يحصل لغيره ، لم يكن ذلك مرغّبا في التوكل . كما جعل التقوى سببا للخروج من الشدة وحصول الرزق من حيث لا يحتسب . وقال تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ آل عمران : 173 ] فمدحوه سبحانه بأنه نعم الوكيل ، والوكيل لا يستحق المدح إذا لم يجلب لمن توكل عليه منفعة ولم يدفع عنه مضرة . واللّه خير من توكل العباد عليه ، فهو نعم الوكيل يجلب لهم كل خير ويدفع عنهم كل شرّ . وقال تعالى : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 8 - 9 ] . وقال : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [ الإسراء : 2 ] . فأمر أن يتّخذ وكيلا ونهى أن يتخذ من دونه وكيلا ، لأن المخلوق لا يستقل بجميع حاجات العبد ، والوكالة الجائزة أن يتوكل الإنسان في فعل يقدر عليه ، فيحصل للموكل بذلك بعض مطلوبه . فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلّا اللّه . وذاك الذي يوكله لا يفعل شيئا إلا بمشيئة اللّه وقدرته . فليس له أن يتوكل عليه ، وإن وكله . بل يعتمد على اللّه في تيسير ما وكله فيه ، فلو كان الذي يحصل للمتوكل على اللّه ، يحصل وإن توكل على غيره ، ويحصل بلا توكّل ، لكان اتخاذ بعض المخلوقين وكيلا أنفع من اتخاذ الخالق وكيلا . وهذا من أقبح لوازم هذا القول الفاسد . لأن التوكل على الخلق يشهد نفعه . وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 64 ] أي : اللّه كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين . فلو كانت كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول - سواء اتبعوه أو لم يتبعوه - لم يكن للإيمان واتباع الرسول أثر في هذه الكفاية . ولا كان لتخصيصهم بذلك معنى . وكان هذا نظير أن يقال : هو خالقك وخالق من اتبعك . ومعلوم أنّ المراد خلاف ذلك . وإذا كان الحسب معنى يختص بعض الناس ، علم أن قول المتوكل : ( حسبي اللّه ) وقوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أمر مختص لا مشترك . وأن التوكل سبب ذلك الإختصاص ، واللّه تعالى إذا وعد على العمل بوعد أو خصّ أهله بكرامة ، فلا بدّ أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه فرق في حصول تلك الكرامة . وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر . فقد يكفي اللّه بعض من لم يتوكل عليه كالأطفال . لكن لا بد أن يكون للمتوكل أثر في حصول الكفاية الحاصلة للمتوكلين ، فلا يكون